إن نصف القرن الذي يفصلنا عما سمي بـ "حرب الريف" لمشحون في حد ذاته بأحداث أخرى أهم بكثير من هذه الحرب، بحيث لا نستغرب إن كان غ...

إن نصف القرن الذي يفصلنا عما سمي بـ "حرب الريف" لمشحون في حد ذاته بأحداث أخرى أهم بكثير من هذه الحرب، بحيث لا نستغرب إن كان غالبية معاصرينا يجهلون حتى وقوع حدث تاريخي بهذا الإسم في عصرهم. على أن ما يثير الانتباه بالعكس هو كيف بقيت ذكرى هذه الحرب الريفية، المجهولة من طرف الأغلبية، راسخة رسوخا عميقا في أذهان من عايشوها ساعة نشوبها، ممن كانوا وقتذاك ما يزالون شبابا أو مراهقين.
إنه أمر مثير للانتباه بلا ريب، لكنه لا يدعو إلى الاستغراب. فمنذ عشرين أو ثلاثين سنة، أحست البشرية جمعاء بأنها معنية بأحداث كانت مع ذلك محصورة في رقعة ضيقة، في الهند الصينية، في الجزائر، في الشرق الأوسط، في كوبا. ذلك أن المعاصرين كانوا يرون فيها، إن بوضوح كبير أو قليل، إرهاصات عصر ينتفض المستعمرون (بالفتح) لخلع نير العبودية، ومؤشرات تحول يحدث في مصير الشعوبمع أفول الامبراطوريات الكبرى. فإن كان البعض إلى يومنا خذا يساوره القلق إزاء هذه الأفاق المستقبلية، والبعض الآخر يعلق عليها الآمال، والكثيرون يمعنون فيها التفكير، مع أنه كان للأذهان الوقت الكافي للتكيف بالمجرى الجديد للأحداث، فإننا نتصور أي انفعال و ذعر، أو أي أمل جنوني، أمكن أن يفرزه منذ حمسين سنة ذلك الحدث الذي دشن تدشينا صاخبا هذه الحقبة التي ما زلنا نعيشها، عندما زعزع بضربة واحدة دعائم سيطرتين مزدوجتين.
ذلك أن الأمر يتعلق بهذا الحدث بالذات.
مقتطف من مدخل الكتاب




تعليقات