كاريكاتيرية الثقافة الليبية لــ: سعيد سيفاو المحروق

لعل أدق وصف لثقافتنا الحاضرة هو وصفنا إياها بالكاريكاتيرية، لأنها ثقافة مازالت تأخذ أكثر مما تعطي وهي في أخذها كثيراً ما تخطئ في فه...



لعل أدق وصف لثقافتنا الحاضرة هو وصفنا إياها بالكاريكاتيرية، لأنها ثقافة مازالت تأخذ أكثر مما تعطي وهي في أخذها كثيراً ما تخطئ في فهم الثقافات الأخرى ومن هنا تنشأ الصور الكاريكاتيرية.

فالمثقفون عندنا كثيراً ما يقفون عند شكليات الثقافة الأجنبية دون الولوج في مضمونها وكثيراً ما تجذبهم مظاهرها دون جواهرها. وهم هنا غالبا ما يكونون عرضة لعدم تفهم واستيعاب ما يقرأون بل كثيراً ما يرون في ترديدهم للعبارات الرنانة والمصطلحات الضخمة مظهراً من مظاهر العظمة وبرهاناً جلياً على عمق ثقافتهم المزعومة .. فهم حينما يناقشون كثيراً ما يعتمدون على الضغط على حروف العبارات التي هي أكبر من رؤوسهم كثيراً ما يعتمدون على الحركات الانفعالية والهستيرية، يفعلون هذا لكي يؤدوا وظيفتهم كمثقفين أولاً ثم ليقنعوا عباد الله بصواب آرائهم ثانياً.

وهذه الفئة الكاريكاتيرية تقابلها فئة أخرى وهي التي تكاد تكون الممثل الوحيد لثقافتنا وأفرادها هم أولئك الذين أوتوا حظا لا بأس به من العلوم ولكنهم أوقفوا ثقافاتهم عند خلاصات المعارف يتعاطونها ” كسندويتشات ” خفيفة لا يتجشمون في سبيلها عناء ولا مشقة لا يكلفون أنفسهم محنة التنقيب ولا نقمة البحث المباشر عند الجذور الأولى للثقافة .

والعجيب في الأمر أن تجد تلك الفئة تدعى ما ليس لها فتنصب من نفسها نقادا يقيمون الإنتاج ويحكمون على جودة القول ورداءته فيأمرون بإلقائه في سلة المهملات وقد يبيحون لأنفسهم التعديل والزيادة والنقصان كيفما يشاءون. بل نجد الواحد منهم يزعم لنفسه ما لا يزعمه عاقل حيث يرى في نفسه الكاتب الأعظم والفيلسوف الملهم … والحقيقة انه لا كاتب ولا فيلسوف ولا يحزنون .

ولعل مرجع هذه الظاهرة هو عدم ظهور ذلك العبقري العظيم في ثقافتنا حتى يكون قدوة فذة يشعر الشباب إزاءها بالقصور والرغبة إلى القضاء على هذا القصور. ففي البلاد الأجنبية والأوروبية خاصة تعتمد الثقافة على مدى تأثير الأفذاذ من المقتدين في الناشئة ومن هنا فالثقافة تكسب طابع الأصالة والمتانة فالقدوة هناك ذات اثر كبير في نبوغ الشباب وتخليهم عن الغرور الكاذب والأستاذية المزيفة . وهذا خلاف ما نلاحظه نحن الآن من شبابنا ” المثقف ” الذي عدم القدوة فرأى في نفسه القدوة وصار كل كويتب يرى نفسه فوق الجميع.

وبالطبع فنحن نسوق هذا الحديث باستثناء قلة من شبابنا المثقف الذي شعر بالتبعة الملقاة على كاهله فاصبح يمارس الفكر عن رسالة وهدف لا عن تهريج أصحاب الطرق النقشبندية ومن أولئك الأستاذ الرائد على مصطفى المصراتي الذي يعد بحق رائد للثقافة الليبية الحديثة لأنه أول الشباب الذين شعروا بقيمة الكلمة وحرارة الحرف فاندفع مخلصا يكتب مجيدا تارة ومخطئا تارة أخرى شأنه شأن أبناء آدم وحواء لعله الآن الكاتب الوحيد الذي شعر بقيمة التراث الليبي فجاهد في بعثه من تابوته المقبور إلى عالم النور. نحن نزعم انه يملك ملكة إنشائية تفوق ملكته الصفية ونعني بالملكة الإنشائية كتاباته القصصية فنزعم أنه قصاص بالسليقة وهذا ما يلوح لنا أثناء أحاديثه الشخصية أي عند حياته العادية فحبذا لو تفرغ لهذا اللون واذخر له جهوده.

أيضا فلا ننس الأستاذ خليفة التليسي الذي أعده أنضج كتابنا من حيث النقد والتقييم بل هو رائد النقد الأدبي في ليبيا وهو يعتمد في هذا على سليقة أدبية رفيعة وتفهم أدبي رفيع.

وبالإضافة إلى هذين الأستاذين تأتي الطليعة الجديدة طليعة 1965 حيث بدأت تتصدر موكب ثقافتنا ونمها الأساتذة : كامل المقهور عبد الله القويري احمد الفقيه ويوسف الشريف وعبد لله الهاشمي والفقيد الراحل خليفة التكبالي وغيرهم من شبابنا الحديث.

أما من حيث الصحافة فلقد استطاعت السنوات الأخيرة أن تصقل كثيراً من الأقلام الشابة التي بدأت تتصدر الطليعة الصحفية عندنا ومنها على سبيل المثال لا الحصر الأساتذة : محمد الشاوش ويوسف القويري وعبد الكريم الدناع وغيرهم من الكتاب المجيدين .

هذه الإستثناءات هي التي بدأت تتسلم زمام الثقافة عندنا أما عداهم الذين أشرنا إليهم في أول هذا الحديث فهم الذين يتسمون بطابع كاريكاتيري عجيب وهم الذين شعروا بضحالة ثقافتهم وسطحية تفكيرهم فاندفعوا معوضين هذا النقص بوسائل شتى وقد حضر عبد ربه بعض مناقشات أفراد هذه الفئة فرأى أن أسلوب هذه المناقشة تجري على النحو التالي :

منصور: هل قرأت كتاب اللامنتمي ؟
علي: قرأته إلا أن انفعالية كولن ولسن اللاواعية كثيراً ما تصطبغ بالنزعة السريالية ..
منصور: آه .. السريالية الميتافيزيقية أليس كذلك ؟ اعتقد أنها ذات جذور راديكالية .
محمود: لا أوافقك فالراديكالية هي الإمبريالية ، والإمبريالية هي التي تستقطب الديالكتيك اللاواعي … الخ.

هل فهمت شيئاً من هذه الصور الكاريكاتيرية التي تبدو وكأنها أسرار قمقم سليمان أو كأنها شيفرة من رجال الفيت كونج ؟

وقد ترى أنني مبالغ في القول ، فالحقيقة أن هذه الصورة قد برزت بروزاً منكراً في عالمنا الثقافي وبالطبع فأنت لست في حاجة كي أحدثك عن هذه الفئة الكاريكاتيرية عندما تكتب على صفحات الجرائد والمجلات فأنت تعرف تلك المقالات التي تقرأها من أولها إلى آخرها أنت في شبه غيبوبة لا لروعتها إنما لأنك تحاول تفهم ولكنك لن تفهم وقد ترمي نفسك بالجهل والغباء فتحسد أولئك الكتاب لذكائهم المفرط ولعبقريتهم الملهمة بينما لا ذكاء ولا عبقرية ولا يحزنون ...

تعليقات

الاسم

أرشيف المقالات,22,أرشيف الوثائق,7,بورتريهات,7,دراسات,6,سيفاويات,3,كُتّاب وآراء,2,مكتبة أمازيغية,57,همسات أدبية,8,
rtl
item
Tadlsa - ⴰⵔⵣⵎ ⵜⴰⵡⵏⴳⵉⵏⵜ: كاريكاتيرية الثقافة الليبية لــ: سعيد سيفاو المحروق
كاريكاتيرية الثقافة الليبية لــ: سعيد سيفاو المحروق
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgps0F8jDxsvb3xL7avhvTmXO1A-z8oq6rumRZeDFScba_r89uLRg_puEpICq9MRZJVnRNAZy1uul-AkE_yyWnYRomgQ2joEpBet6sNo-lLijYE559gTxaDSQzVZS9Wy_GU9yzMugNoo0Q/s640/sifaw3.jpg
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgps0F8jDxsvb3xL7avhvTmXO1A-z8oq6rumRZeDFScba_r89uLRg_puEpICq9MRZJVnRNAZy1uul-AkE_yyWnYRomgQ2joEpBet6sNo-lLijYE559gTxaDSQzVZS9Wy_GU9yzMugNoo0Q/s72-c/sifaw3.jpg
Tadlsa - ⴰⵔⵣⵎ ⵜⴰⵡⵏⴳⵉⵏⵜ
https://tadlsa.blogspot.com/2018/06/blog-post_29.html
https://tadlsa.blogspot.com/
http://tadlsa.blogspot.com/
http://tadlsa.blogspot.com/2018/06/blog-post_29.html
true
3386361865780287050
UTF-8
Loaded All Posts لا توجد أي مقالة عرض الكل اقرأ المزيد الرد امسح الرد امسح بواسطة الرئيسية الصفحات مقالات عرض الكل اقرأ أيضا تصنيف أرشيف البحث كل المواضيع لا توجد نتائج العودة للرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوايوز غشت سبتمبر أكتوبر نوفمبر دجنبر يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوايوز غشت سبتمبر أكتوبر نوفمبر دجنبر الآن منذ دقيقة $$1$$ minutes ago منذ ساعة $$1$$ hours ago أمس $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago أكثر من 5 أسابيع متابعين متابع THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy