هناك العديد من المشاكل التي يمكن أن تحلها الدولة الغنية بمالها . المواد الاستهلاكية، وغير الاستهلاكية، ليس أيسر من استيرادها بقوة...

هناك العديد من المشاكل التي يمكن أن تحلها الدولة الغنية بمالها.
المواد الاستهلاكية، وغير
الاستهلاكية، ليس أيسر من استيرادها بقوة المال.
وحينما تعاني هذه الدولة
من نقص في الأيدي العاملة، لا أسهل ولا أيسر من أن تبرم العقود واتفاقيات العمل مع
الدول التي تعاني البطالة وكثافة البشر. فتستورد العمال أصنافا من الدجاج والأرانب.
حتّى بالنسبة للخبرة ليس
أيسر من استيرادها، بل يكفي أن تعلن في أحدى الصحف حتّى يتقاطر عليها عشرات الفنيين
والمهندسين.
الطب أيضا ليس أيسر من
توفيره، تستطيع الدولة أن تستورد الأطباء مثلما تستورد علب السردين.
وحينما تفعل الدولة ذلك
فلا حرج عليها. فهي تدفع مالا مقابل سلعة أو خدمة، وهذا المقابل (أي السلعة أو الخدمة)
لا يمكن أن يمس هيبة المجتمع أو الدولة، فالدولة هنا لن يعتريها خلل والمجتمع لا يعتريه
فساد، فما دامت لا تستطيع أن توفر هذه الأشياء بنفسها ومن أبناء شعبها فلا بأس أن تفعل
ذلك إلى حين. أي حتّى تستطيع الوقوف على قدميها وتنشئ مصانعها ومزارعها وتخرج مهندسيها
وأطباءها.
كل ذلك تستطيع الدولة أن
توفره بقوة مالها سواء كان سلعة من السلع أو خدمة من الخدمات ولا حرج.
لكن على الرغم من قوة المال
ووجود القدرة الشرائية فان هناك شيئا واحدا لا تستطيع الدولة أن تشتريه أو تستورده
ليس لأن هذا الشيء باهظ الثمن، وليس لأنه نادر الوجود بل لأنه لا يوجد ثمن يمكن أن
يقدر به. وكذلك لا توجد وسيلة من وسائل النقل يمكن أن تنقله، شيء لا طول ولا عرض له
أي بدون حجم ومن ثم فيستحيل نقله من مكان إلى آخر مهما تعاظمت الدولة غنى ومهما تعاظمت
فيها القوة الشرائية نفوذا.
هذا الشيء العجيب الذي
لا تستطيع الدولة أن تشتريه اسمه: الثقافة!
وقبل كل: لماذا نذهب بعيدا
لنتأمل حضارتنا العربية الإسلامية كي نسأل: ما هي الثقافة العربية إن لم تكن أشعار
أمريء القيس الجاهلي والمتنبي الإسلامي وزملائهما؟ وهل يمكن تصور لغة وحضارة عربيتين
بدون هؤلاء الأسلاف؟
هل تستطيع دولة ما أن تشتري
شاعرا؟ إذن لو استطاعت ذلك لاستطاعت أن تشتري ثقافة!
أم هل تستطيع أن تشتري
قصاصا سواء كاتب قصة أو وحينئذ تستطيع ان تعلن عن مناقصة أو مزايدة في أحدى الجرائد
الأجنبية عن حاجتها إلى شاعر أو قصاص، حبذا لو يكون ذلك الإعلان في بلد يمتاز بجودة
شعرائه أو روعة قصاصيه بل لو أمكن ذلك لوجدنا أن هناك الكثير من البلاد التي تعج وتضج
بكثرة ما فيها من شعراء أو قصاصين، ولكننا فضلنا أن نستورد شاعرا مثل ت. اس. اليوت
أو عزرا باوند أو كيتس أو قصاصا من طراز بلدوين أو اروين شو أو غيرهما؟
هل تستطيع دولة ما ان تستورد
فيلسوفا؟.. إذن لاستطاعت أن تستورد سارتر أو غارودي .. الخ.
أم هل تستطيع أن تستورد
مؤرخا؟ حينئذ ماذا لو استوردنا توينبي مثلا؟!
أي دولة تستطيع أن تفعل
شيئا من ذلك فهي بالتأكيد تستطيع أن تستورد ما لا يستورد: الثقافة!!
الثقافة هي الشيء الوحيد
الذي لا يمكن أن يشتري بمال، هل يمكن أن يشتري الوجدان؟ إذا أمكن ذلك فلن يكون محل
الشراء (وجدانا) أي لا يمكن أن يكون ثقافة. وقد يحدث أن يكون لون من ألوان الثقافة
ضعيفا عندنا وقويا وحيا عند غيرنا، ومع ذلك فلا نستطيع أن نفكر في الأمر مثلما نفكر
في القمح أو الشعير أو الفجل حيث نجلب من عند الغير ما لا يتوفر في بلادنا،سيظل ذا
اللون هو أقرب الألوان لدينا رغم ضعفه، وسوف لن نستعيض عنه بما لدى الغير. الرواية
مثلا تكاد تكون معدومة وضعيفة المستوى فنيا ومع ذلك فلا نستطيع أن نستورد هيمنجواي
أو دوستويفسكي برغم ضخامة المذكورين. نحن نكاد لا نملك مسرحا أيضا فهل يحدث أن نفكر
في استيراد مسرح بريخت بقوتنا الشرائية؟.
على الرغم من كل ذلك سوف
لن تفيدنا النقود في شيء لأنها لا تستطيع أن تفعل شيئا حيال هذه المسألة، وسنظل نعتبر
كل هذه المنجزات التي يملكها الغير لا يمكن أن تعبر عنا. وإنما تعبر عن هذا الغير وان
كل محاولة صغيرة لنا لهي أكثر تعبيرا عن وجداننا من أكبر المنجزات التي تعبر عن وجدان
الغير اللهم إلا إذا استطعنا أن نعطل رئاتنا حتّى نتنفس برئات الآخرين.
يحدث أن يسأل المرء: ما
جدوى الثقافة؟ أو يمعن في التساؤل: ألسنا بحاجة إلى المصانع والمزارع والمستشفيات أكثر
من حاجتنا إلى الشعر والفن والقصة؟! أو قد يختصر احدنا ليقول: ألسنا في حاجة إلى العلم
أكثر من حاجتنا إلى الأدب؟
هذه الاستفهامات المتماثلة
ليست بالغريبة، فلقد سبق أن طرحت ولا تزال تطرح في كل الشعوب النامية التي تطمح في
أن تصل إلى ما وصلت إليه الشعوب المتقدمة تقنيا.
الجواب على هذه الاستفهامات
لن يكون جديدا أيضا. حقا نحن في حاجة إلى العلم أكثر من حاجتنا إلى أي شيء آخر لكن..
لابد أن نفرق هنا بلغة الاقتصاديين بين مديين: المدى القصير والمدى الطويل. قد يلوح
جيدا إننا في مرحلة المدى القصير بحاجة إلى بناء المستشفيات مثلا أكثر من حاجتنا إلى
بناء المسارح، لكننا في المدى الطويل سنرى ان الانجازات الحضارية المختلفة لابد لها
من وسائل تعبير، بدون هذه الوسائل سوف لن تتمتع هذه المنجزات بالصفة الحضارية،ستظل
بدون ذلك مجرد ركام من الطوب أو ركام من حديد دونما حياة.
لنتصور بلدا مثل فرنسا
حينما تكون خالية من روسو وديدرو وموليير وفولتير ولامارتين.. هل ستكون فرنسا التي
نعرفها؟ وهل ستكون هناك حضارة فرنسية أصلا؟ وكيف سيكون شكل اللغة الفرنسية بدون ثقافة
فرنسية أو وجدان فرنسي؟.
لنقس على ذلك كل الدول
الصناعية المتقدمة الشرقية منها والغربية، ولنتصور كل هذه الدول خالية من شعرائها وقصاصيها
وقادة الفكر فيها.. ثم لنسأل: هل تبقى هذه الدول لتوصف بأنها متحضرة؟.



تعليقات