أن يتم الحديث، اليوم، عن القضية الأمازيغية بين عموم الباحثين والمهتمين بالتراث المغربي الأمازيغي، أمر لم يعد بدعة. كما وأن الخوض في مس...

لكن أن يكون الكلام، هذه
المرة، عن موقف الزعيم الريفي محمد بن عبد الكريم الخطابي من القضية الأمازيغية وبالأخص
مسألة تدريسها، طرح ربما يعد لحد الآن ضربا من الخيال وتطاولا مجانيا على الثقافة واللغة
الأمازيغيتين وإساءة لهما أكثر من الدفاع عنهما، وذلك نظرا لغياب الوثائق والقرائن
التاريخية التي هي وحدها قمينة بإثبات وجود اهتمام أو ممارسة ثقافية أمازيغية لدى الخطابي،
والتي من شأنها –أي الوثائق والشهادات- أن تزيل القناع عن موقف هذا المجاهد الريفي
من لغته الأم.
كما أن انتقاء ولو أدنى
إشارة في الكتابات التاريخية المعاصرة تقر بانشغال علمي للبطل الكارزمي لحرب الريف
باللغة أو اللهجة الريفية، جعل المهتمين بالحقل الثقافي الأمازيغي يتحاشون الخوض في
مثل هذه القضية. وحتى علماء اللغة واللسانيات الذين درسوا "اللهجات" الريفية
في عهد ابن عبد الكريم أو عقب ذلك بقليل أمثال الفرنسي "إميل لاوست" (1)،
لم يخطر ببالهم، ولو على سبيل الافتراض، وجود اهتمام فكري للفقيه محمد بن عبد الكريم
بالأمازيغية الريفية سواء قبل أو أثناء المقاومة التي قادها مابين 1921-1926م.
وطبيعي أن يكون موقف هؤلاء
وأولئك كذلك ما دام أن التراث الفكري لهذا الزعيم الوطني لا يزال مجهولا كله تقريبا
ومبعثرا بين مذكراته الخاصة ومضمرا بين ثنايا الوثائق والصحف التي عاصرته، ناهيك عن
عدم انطراح المسألة الأمازيغية في أيامه كما نتمثلها نحن اليوم، ما دام أن الرجل كان
لا يشعر بأي امتعاض وهو يتخاطب بالريفية مع بني جلدته، ويتراسل بأسلوب عربي مبين، عند
الحاجة، مع أبناء وطنه وأمته. فضلا على أن الحرب الريفية وملابساتها قد شغلته أكثر
من اللازم عن القيام بجميع الاصلاحات المستعجلة التي كان يحلم بها فبالأحرى أن يلتفت
إلى معالجة المسألة اللغوية الأمازيغية، وذلك كأن يفكر، مثلا، في تدريسها في المدارس
العصرية كما فعل بالنسبة للعربية.
وحتى لو افترضنا أنه تنبه
إلى هذه المسألة آنذاك، لما وجد آذانا صاغية تستسيغ فكرته وتستجيب بسهولة لدعوته الاصلاحية،
بل لو فعل، لأتهم، لا محالة، بالانشقاق والزندقة خصوصا من طرف الأوساط المحافظة والطرقية،
تماما كما هوجم مصطفى كمال أتاتورك حينما عمد إلى إدخال إصلاحات تحديثية في تركيا الجديدة،
فاستبدل، على سبيل المثال لا الحصر، اللغة العربية التي كانت رسمية في البلاد باللغة
القومية التركية مكتوبة بحروف لاتينية، وهو أمر كان المجاهد محمد بن عبد الكريم على
دراية تامة به، لأنه كان يتتبع الاصلاحات الكمالية بتركيا ومعجبا بها (2).
إن مقاربة موضوع حساس كموضوع
علاقة ابن عبد الكريم بالمسألة اللغوية الأمازيغية، أي الريفية تحديدا، ليس مجرد إسقاط
تعسفي لهموم ثقافة الحاضر على الماضي، ولا هو موقف شوفيني يقول الرجل ما لم يقله. فنحن
على دراية تامة بصعوبة الحسم في مثل هذا الموضوع الشائك والذي يدخل، فوق ذلك، في نطاق
اختصاص علماء اللغة، أضف غلى ذلك المخاطر الإيديولوجية التي تحف به وشح المادة المرجعية
التي قد تسعفنا على الخروج ولو بتصور أولي حوله. ولكن هدفنا الأساسي، ها هنا، هو إثارة
الانتباه إلى ما يمثله هذا الموضوع نفسه من أهمية قصوى في فهم وحل بعض القضايا والمعضلات
المطروحة على ساحتنا الفكرية والثقافية في الوقت الراهن. وتستمد هذه الإثارة شرعيتها
من وجود أدلة تاريخية تثبت، على الأقل، أن مسألة الأمازيغية لم تكن موضوعا غير مفكر
فيه لدى ابن عبد الكريم الخطابي.
فمن المعلوم أن عبد الكريم
الخطابي - كما اعتادت الأسطوغرافيا الكولونيانية أن تسميه – لم يكن مجرد فقيه
"سلفي" منطويا في جبته الصوفية الخشنة، ولا طالبا ومتعلما منغلقا على محيطه
القبلي الضيق، بالعكس، يمكن أن نجازف بالقول أنه كان رائدا من رواد "الانتلجانسيا"
التي تبلورت في مغرب عتبة القرن العشرين، لا عن طريق تعاونه مع الصحفيين المشارقة المقيمين
حينئذ بطنجة، وإنما عن طؤيق قراءته ما كان ينشره هؤلاء الرواد من أفكار جديدة تهم أساسا
فتح المدارس العصرية وتحديث الهياكل السياسية للدولة المخزنية والدعوة إلى إدخال دستور
جديد إلى البلاد(3).
ولا غرو، فقد تفتقت هذه
البواكر التحديثية لدى الفتى "سي محند" (ابن عبد الكريم)عندما كان مقيما
بمدينة مليلية السليبة، فهو، كما نرى، لم يكن مثقفا مخزنيا كغيره من السلفيين الجدد،
وإنما كان مثقفا طرقيا هامشيا ولكنه متحضرا، بحكم إقامته بهذه المدينة وتردده عليها.
فلما تمكن الإسبان أن يجذبوه إليهم بواسطة سياسة الإستقطاب "وكانوا قد فتحوا مؤخرا
في مليلية مدرسة صغيرة لأبناء المغاربة المقيمين بالمدينة وجلهم من التجار، ولاختيار
مدرس مغربي بها، رشحوا لهذا المنصب ولد قاضي عبد الكريم. فهل يمكن أن يتردد محمد وهو
الذي كان يرى في التعليم مفتاح الإصلاح بالنسبة لبلاده؟ لقد وافق وسيتولى تعليم مواطنيه
الفتيان من 1907 إلى 1913" (4).
وسرعان ما فطن الإسبان
إلى القدرات العقلية والذكائية التي يتوفر عليها ابن قاضي أجدير وإلى ما يمكن أن يقدمه
لهم من خدمات ثمينة تسهل تغلغلهم في قلب الريف، كيف لا ومحمد كان لا يزال معجبا بالحضارة
الغربية وببريقها الساطع في مليلية. ولذلك تطلع بحماس منقطع النظير إلى اليوم الذي
سيرى فيه ولوج بعض المنجزات الحضارية وأسبابها إلى الريف والتي من شأنها أن تحدث نقلة
نوعية نحو الحداثة.
إذن، إن التعاون مع إسبانيا
كان يعني بالنسبة لابن عبد الكريم الانفتاح على الحضارة الحديثة (5) ولذلك لم يتردد
في قبول الاقتراح الذي عرضه عليه محرر جريدة "تلغرامة الريف" الصادرة آنذاك
بمليلية، وذلك بأن يساهم بمقالات باللغة العربية في نفس الصحيفة. وفعلا، زاول محمد
نشاطه الصحفي هذا لمدة ثماني سنوات من مارس 1907 إلى أبريل 1915 (6)، وطوال هذه الفترة
تبلورت مواقفه الوطنية من خلال رده على جريدة "السعادة" التي كانت تصدرها
السفارة الفرنسية بطنجة (7)، حيث عمل على نقد وفضح دسائسها الاستعمارية وتعرية أغاليطها
الإيديولوجية.
إلى جانب دوره الصحافي،
ومهمة التدريس في المدرسة الابتدائية بملياية، تقبد ابن عبد الكريم وظيفة الكاتب المترجم
قبل سنة 1910م كما يوضح الفقيد جرمان عياش، ثم أصبح قاضيا فقاضي القضاة سنة 1913م (8).
إلا أن ما يثير الانتباه
أكثر من النشاط الفكري لهذه الشخصية الموسوعية، وهو أمر لا يزال مجهولا على ما يبدو
لدى الدارسين، هو القيام بتقنين "اللغة الريفية" على حد تعبيره هو لبعض الإسبان
إلى جانب تدريس اللغة العربية بطبيعة الحال.
إن المص المرجعي الذي نستند
عليه لنقول بأن محمد ابن عبد الكريم الخطابي كان يقوم بتدريس اللغة الأمازيغية بمليلية،
وأن طريقته "التربوية" قد كانت ناجحة مادامت قد حققت الأهداف المبتغاة منها،
هو أصلا عبارة عن رسالة جوابية كتبها الخطابي باللغة العربية إلى أحد تلامذته الإسبان
بمليلية، ويدعى "انخيل مونيوز بوسكي" Angel MUNOZ BOSQUE الذي إليه يرجع الفضل في إنقاذ هذا النص/الوثيقة
من الضياع، فقد أورد نسخة مصورة لأصلها العربي في كتيب له بعنوان
"AL HUCEMAS" (الحسيمة)، طبعة
مدريد 1922. يقول النص الكامل للرسالة:
"حمدا وصلاة،
صديقي الأكرم سيد أنخيل
مونيوز بوسكي، أراك تتقدم في تعلم اللغة الريفية ويسرني جدا أن أرى سيادتكم متمتعين
براحة البال والسعادة والهناء والسلام. صديقك محمد بن عبد الكريم الخطابي"(9).
لقد علق "بوسكي"
BOSQUE على هذه الرسالة
بعبارة إسبانية نفهم من فحواها أن الفقيه محمد بن عبد الكريم كان يعلم له الريفية بمليلية،
أي قبل اندلاع الثورة الريفية (صيف 1921)، الأمر الذي يؤكده أيضا تاريخ صدور هذا المؤلف
(1922).
إن هذه الرسالة التي صدرت
عن الخطابي توحي بأن تلميذه (بوسكي) كان قد راسله بالريفية، وإلا كيف أمكن للمعلم
(الخطابي) أن يقيس المستوى اللغوي والتعليمي لتلميذه؟ كما تكشف لغة هذه الرسالة، من
جهة أخرى، أن التلميذ (بوسكي) كان يجيد أيضا اللغة العربية الفصحى، وإلا فإنه لن يفهم
جواب معلمه. بيد أن الإشكال الذي يفرض نفسه علينا في هذا المجال، هو معرفة ما إذا كان
"أنخيل مونيوز بوسكي" كان قد راسل معلمه (أثناء إحدى عوداته إلى أجدير من
مليلية) بلغة ريفية مكتوبة بحروف عربية؟، لأن كلا هذين الاحتمالين واردين ما دام أن
المتراسلين يتقنان معا اللغة العربية والإسبانية.
ولكن تكهناتنا تجعلنا نرجح
القول بأن مراسلة بوسكي قد تمت بريفية مكتوبة بحروف لاتينية، فحتى إن لجأنا إلى
"قياس الغائب على الشاهد" فإنه نستبعد القول بأن بوسكي قد كاتب معلمه بريفية
مكتوبة بحروف لغة الضاد. لأن رد ابن عبد الكريم لم يكن كذلك. بل هو مختلف شكلا ومضمونا.
أي بلغة وحروف عربيين.
يبقى إذن، من المرجح أن
تكون الحروف اللاتينية هي الحروف التي كتب بها بوسكي رسالته الريفية.
- أولا: لأنه يعرف هذه الحروف التي هي حروف لغته الإسبانية.
- ثانيا: لأن الهدف من تعلمه الريفية ليس هو مكاتبة المغاربة عربا وأمازيغ (عدا المعلم الخطابي) حتى يضطر إلى استخدام الحروف العربية للتعبير عن الأمازيغية، بل يمكن أن يكون العكس هو الصحيح، أي كتابة الأمازيغية بالحروف اللاتينية ليسهل عليه إتقانها لغيره من الإسبان.
- ثالثا: من الصعب القول بأن بوسكي قد فضل تعليم الحروف العربية ليعبر بها في نفس الآن، عن اللغة العربية واللهجة الريفية، إذ يبدو ذلك ضربا من المستحيل. فبالإضافة إلى الخوصصة التي تنفرد بها كل لغة من هاتين اللغتين، فإن المتعلم سيجد صعوبات ومشاكل في تعلم لغتين جديدتين معا وبحروف واحدة.
- رابعا: إذا كان بوسكي قد تعلم اللغة العربية الفصحى قراءة وكتابة، فلأن ذلك كان سيجعله يطله على المصنفات العربية، في حين لا ينطبق ذلك على اللغة الأمازيغية في تلك الفترة.
- خامسا: في كتاب آخر لنفس المؤلف، أي بوسكي بعنوان "Manual de conversation berber rifena" نجد الكاتب يورد حتى بعض الفروقات الدقيقة المتواجدة بين بعض القبائل الريفية من الناحية اللغوية الأمازيغية، وهذا يدل على أن صاحبنا قد تمكن فعلا من هذه اللغة. كما أن عدم كتابته لكلمات وعبارات ريفية بغير حروف إسبانية، يعتبر حجة قاطعة على أن الكاتب لم يكن يكتب الريفية بحروف عربية وإنما بحروف لاتينية، إسوة بغبره من الأوربيين، كما فعل الفرنسي "بيارني" BIARNAY مثلا عندما دون أشعارا وقصصا ريفية بحروف لاتينية(10).
مهما يكن الأمر، فإن إقبال
الإسبان على تعلم اللغة الأمازيغية، لم يكن مجرد صدفة أو استجابة لفضول علمي فردي بريء،
إنما هو مشروع يندرج ضمن استراتيجية توسعية "سلمية" قامت اسبانيا بالتخطيط
لها منذ سنة 1904، أي سنة إبرام الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا والذي كان بمثابة
الضوء الأخضر لحرية تصرف هذه الأخيرة في المغرب مقابل سكوتها عن الانفراد البريطاني
بمصر.
وتصادف هذه السنة أيضا
تاريخ إنشاء "البعثة العلمية بالمغرب" كم طرف اللوبي الاستعماري الفرنسي.
وقد كان دور هذه المؤسسة "العلمية" هو القيام بتمهيد وتغطية ايديولوجيةلسياسة
"التغلغل السلمي" الفرنسية في المغرب.
واقتداء بهذه السياسة،
تحركت الأوساط الاسبانية المؤيدة للتسرب
"السلمي" في شمال المغرب. وهكذا، ففي سنة 1904 تقدمت "الجمعية الملكية للجغرافيا"
بمدربد بمشروع أمام رئيس مجلس الوزراء الاسباني، داعية فيه إلى إعادة النظر في السياسة
العسكرية التي تنهجها إسبانيا في المغرب الشمالي واستبدالها بسياسة التوغل السلمي.
ومن بين الاقتراحات التي
طرحتها الجمعية المذكورة لتعزيز هذه الخطة الجديدة تذكر:
ربط الاتصال بين الجيوب
المحتلة كسبتة ومليلية وبين المناطق الريفية المجاورة والبعيدة، وذلك عبر شق شبكة من
المواصلات البرية كالطرق وبناء خط السكة الحديدية تربط بين مليلية ومدينة فاس عبر منطقة
تفرسيت وتازة، بناء ميناء تجاري بمليلية وآخر بالجزر الجعفرية (جزر كبدانة أو ملوية)،
إقامة مقاولات رأسمالية واستثمار رؤوس الأموال الإسبانية في المغرب. إقرار التسامح
الديني واحترام العقيدة الإسلامية بمليلية (السماح ببناء مسجد للصلاة بها)، ثم تشجيع
التعاون والتبادل الثقافي بين المغاربة والإسبان، كأن يتعلم المغاربة المقيمين بمليلية
اللغة القشتالية (الإسبانية)، ويتعلم الإسبان اللغة العربية و'اللهجات" الريفية(11).
كان لابد من هذه الإضاءات
التاريخية المقتضبة كي نفهم المناخ العام الذي أقبل فيه "أنخيل مونيوز بوسكي"
على التتلمذ على يد محمد بن عبد الكريم الخطابي، بيد أن ما يستحق الإشارة والتنبيه
أيضا، هو أن الخطابي لم يقم بهذه الوظيفة حبا للاستعمار وخيانة لوطنه، ولكن فقط لأنه
كان يؤمن بما نسميه في لغتنا المعاصرة بالحوار الثقافي والمثاقفة والانفتاح على ثقافة
"الآخر"، بعبارة أخرى، كان الخطابي"الشاب" يتصرف عن حسن نية وانطلاقا
من إيمانه الراسخ بضرورة تعبيد الطريق أمام الحضارة الأوربية بما هي باعث غلى التحديث
والتنوير العقلاني.
وفي جميع الأحوال، فهو
وإن كانت ظروف إقامته بمليلية قد حتمت عليه أن يلقن للإسبان دروسا في لغتيه المغربيتين
(العربية والأمازيغية)، فإن ذلك لا يلطخ سمعته التاريخية ولا ينال قيد أنملة من سجل
بطولاته الخالدة. إذ سرعان ما سينقلب المعلم – عند حدوث "القطيعة" بينه ةبين
الإسبان – سينقلب في أعينهم "شيطان مارد" يلقنهم هذه المرة دروسا في القتال
والوطنية.
ولعل ما يستوقفنا أكثر
في هذا المضمار، هي عملية تدريس "اللغة الريفية" كما ورد في خطاب ابن عبد
الكريم إلى صديقه وتلميذه "بوسكي" نظرا لما تدل عليه تقنية التعليم تلك من
دلالة رمزية عميقة تكسف عن ميل طبيعي نحو إمكانية تدريس اللغة الأمازيغية.
ونحن لا يغامرنا شك في
أن المعلم قد شعر بفخر واعتزاز كبيرين وهو يرى "الآخر" يتقدم في تعلم
"اللغة الريفية"، ففي ذلك ما فيه من الإحساس برد الاعتبار لهذه "اللغة"
والارتقاء بها إلى عالم الكتابة. أما الهدف الآني والمباشر للاستعمار الإسباني من التفاته
إلى أهمية تعلم الأمازيغية آنذاك، فلم يكن ليخفى عن المعلم/الخطابي الذي كان يقرأ الأحداث
والتحركات الإسبانية بعيون يقظة.
فهل مرت هذه التجربة الفريدة
من نوعها، أي تدريس اللغة الأمازيغية - بغض النظر عن طريقتها الإيديولوجية – على يد
عبد الكريم الخطابي الشاب دون أن تخلف أثارا عميقة في نفسيته من شأنها أن توقظ لديه
تلك الرغبة الدفينة، التي يحملها كل "أمازيغي" ولما لا كل مغربي، عن شعور
أو عن لا شعور، في أن يرى اللغة الأمازيغية لغة عالمةǃ. ألا تكشف هذه التجربة عن موقف جيني لدى الخطابي
من المسألة اللغوية والثقافية الأمازيغيتين باعتبارهما جزء لا يتجزأ من الثقافة المغربية
الأصيلة؟ ألا يحق لنا القول بأن التجربة الخطابية هذه تنم عن إمكانية وقابلية اللغة
الأمازيغية إلى التقعيد والتدوين؟، ثم ألا يمكن اعتبار الجمع بين الثقافة العربية الإسلامية
والثقافة الأمازيغية لدى المجاهد الريفي احتجاجا مسبقا ضد سياسة "الظهير البربري"
الذي أعلنته فرنسا في المغرب سنة 1930؟ وبعد هذا وذاك، ألا يصح القول أن في تمسك الزعيم
محمد بن عبد الكريم، وهو أمازيغي أصلا وفصلا (رغم تحفظات البعض) لامس تدريس الأمازيغية
أيام كان بمليلية، ما ينهض دليلا على أن إحياء اللغة والثقافة الأمازيغيتين اليوم،
وإخراجهما من طور القوة إلى طور الفعل، لا يشكل أي خطر بهدد – كما يزعم البعض – الوحدة
المغربية؟.
فهل لا يصلح، مثل هذا الموقف
المتوازن والسابق لأوانه لابن عبد الكريم الخطابي تجاه لغتي بلاده العربية والأمازيغة،
أن يكون نموذجا يحتذي ويقتدي به من طرف كل مغربي يناشد الحداثة واستشراف المستقبل؟
هوامش:
1- Emil LAOUST ,
Le dialecte berbère du RIF, in, Hespéris, n° 7, 2 ème trimestre, 1927, p.p.
173-
208.
2- عبد الله العروي، عبد الكريم والحركة الوطنية
المغربية حتى 1947، مجلة أمل، عدد خاص عن قضايا في حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي،
ع.6، السنة الثالثة، 1996، ص. 107.
3- ينظر في هذا الصدد، محمد عابد الجابري
"تطور الانتلجانسيا المغربيةّ، الأصالة والتحديث في المغرب" ضمن كتاب الانتلجانسيا
في المغرب العربي، مجموعة تحت إشراف د. عبد القادر جغلول، دار الحداثة، لبنان، طبعة
1984، ص 17 وما بعدها، وعثمان أشقري، في سوسيولوجيا الفكر المغربي الحديث، عيون المقالات،
الدار البيضاء، ط. الأولى 1990، ص 72 وما يليها، ثم الدكتور إبراهيم حركات فكرة إنشاء
الدستور لأول مرة بالمغرب، الدستور المغربي من الفكرة إلى المشاريع الإصلاحية، مجلة
ملفات من تاريخ المغرب، العدد 4، شتنبر 1996، ص 12-13، وكذا "نص مشروع دستور
1326هـ/1908، في المجلة المذكورة، ص 14-15.
4- د.جرمان عياش، اصول حرب الريف، ترجمة محمد الأمين
البزاز وعبد العزيز التمسماني خلوق، ص 169-170.
5- عثمان أشقري، م.س. ص.126.
6- جرمان عياش، م.س. ص 170، وهامش رقم 35، ص
197.
7- نفسه، ص 170، وصفحات 181 و183.
8- نفسه، ص 170، الحاج أحمد البوعياشي، حرب الريف
التحريرية ومراحل النضال، ط. طنجة 1974، ج 1، ص 74، العربي اللوه، المنهال في كفاح
أبطال الشمال، تطوان ط. 1982، ص 252.
9- رسالة أوردها A.MUNOZ BOSQUE في كتابه:
AL
HUCEMAS , Descripcion de la bahia y datos acerca del penon donde se asienta la
plaza, Madrid, 1922, p.6.
BIARNAY.
S. Notes sur les chants populaires du RIF, Publication du Comité d’études
Berbères de Rabat, 1915-1916, pp. 26-43.
Etude
Sur Les dialectes Berbères du RIF, Paris, 1917.
ينبغي ألا يفهم من كلامنا
هذا أننا ندافع عن أطروحة استخدام الأحرف اللاتينية لكتابة اللغة الأمازيغية، بل أن
ذلك متروك لأهل الاختصاص والتجريب.
10- Camille
Fidel, « Notes sur l’influence espagnole au Maroc, in, Bulletin du Comité de
l’Afrique Française, 1904, p. 299.
بقلم: محمد أونيا، نشر
في مجلة الغد، العدد الثالث، خريف/شتاء 96-97، ص. 129-138.



تعليقات