قد يقول قائل متحمس، عند قراءة هذا العنوان، أما نزال نبحث عن مفهوم لثقافتنا الوطنية؟ ألم نستقر بعد على حال؟ وهذا الذي نحن فيه منذ زمان،...
قد يقول قائل متحمس، عند قراءة هذا العنوان، أما نزال نبحث عن مفهوم لثقافتنا الوطنية؟ ألم نستقر بعد على حال؟ وهذا الذي نحن فيه منذ زمان، ألم يتجاوزه النقاش بعد؟ وقبل هذا وذلك ما لنا لا نهتم بما هو أهم؟ فبدل أن نتيه في فضاء مناقشات لا نهائية، لم لا ننكب على أمورنا الاقتصادية حتى نسير بمجتمعنا بسرعة وفاعلية نحو التقدم والازدهار. والباقي آت لا محالة.
أما عن تجاوز المشكل الثقافي، فلا أضن انه طرح بجدية (2) فكيف يمكن تجاوزه
إذن؟ وسنعرف فيما بعد أسباب ذلك.
أما كون المشكل الثقافي أقل أهمية من المشكل الاقتصادي
(3) فهذا ما لم يعد يقبله حتى الماديون المتطرفون، وأكبر دليل على ما أقوله
ما يهز العالم اليوم من أزمات واضطرابات لا يمكن أن نشرحها اعتمادا على الجانب المادي
فحسب بل للمشاكل الثقافية فيها ضلع وذراع، وحتى الثورات التي قامت على أسس مادية،
أثبتت التجربة أنها ثقافية بقدر ما هي ثورات ضد البؤس والاستغلال والتخلف ...
وإذا كان لنا، أن نفاضل بين هذين النوعين من الثورات، والذي فصلنا - جدلا - ما
بينهما من ارتباط وثيق، فيمكننا أن نعتبر أن الثورة الثقافية نوعا أرقى وأعمق ارتباطا
بالإنسان... لأنها لا تموت بموت الجوع الحاجة المادية ولأنها تبني العلاقات البشرية
على جميع المستويات على أسس أرقى وراق.
إذا كانت الثورة الاقتصادية الحقيقية غير ممكنة إذا لم تواكبها أو تسبقها
الثورة الثقافية. وإذا كنا نهمل إلى حد كبير المشكل الثقافي في بلادنا فمحصولنا - منطقيا
– هو لاشيء.
مفهوم الثقافة
هذا المشكل شغل الكثيرين، ولا يزال يحظى باهتمام كبير وليس غرضي الإحاطة
بكل ما قيل ويقال في الموضوع، ولهذا أريد أن أقدم المفهوم الذي اخترته والذي أظن أنه
أحسن مفهوم للثقافة حتى الآن.
(الثقافة كلمة تعني كل ما لا تقوم حياة اجتماعية
دونه من أوان، ومواد الاستهلاك، وعقود اجتماعية، وأفكار، وفنون ومعتقدات وأعراف) (4).
واللغة هي الكنز الذي تتبلور فيه المعارف الإنسانية ومنها ما ينبغي أن
يكون الانطلاق، وانطلاق كل مجهود هدفه الوصول إلى الحقيقة الإنسانية.
والجدير بالذكر أن المقصود بكلمة لغة هو معناها المطلق بغض النظر عن كونها
متطورة أم لا، مكتوبة أم شفوية (5) وذلك لأن التطور أو الكتابة ليسا مقياسين أساسيين
في هذا الصدد فكم من لغة بدائية احتضنت قيما إنسانية عميقة، وحملت معارف ما كان التطور
البشري ليكون لولا مساهمتها فيه، وكم من لغة يعتبرها الناس اليوم غير متطورة، وهي تعبر
عن أعمق ما يشعر به متكلمها من بهجة وألم، وحب وكراهية... وبإمكانها أن تبذ اللغات
المتطورة في ميادين كثيرة (6).
''ومهما كانت الثقافة بسيطة، أو بدائية، أو معقدة
جد متطورة فهي تكون مركبا أو اسما ماديا من جهة، وإنسانيا من جهة أخرى، وروحيا من جانب
ثالث، والذي يمكن الإنسان من مواجهة المشاكل الملموسة والمحددة التي تطرح أمامه - هذه
المشاكل ناتجة عن كون الجسم البشري عبد حاجيات عضوية مختلفة ولأنه يعيش في وسط هو أحسن
حليف له لأنه يوفر له المواد الأولية لعمله اليدوي، وهو في نفس الوقت من أكبر أعدائه
لأنه مليء بقوى تهدده '' (7).
المشاكل ذات الطابع الثقافي في العالم
إذا كانت الدول الاشتراكية لا تعاني من المشاكل الثقافية بالمعنى المقصود
هنا، فلأنها أوجدت لها الحلول المطلوبة منذ البداية وبدون مركب نقص أو أحكام مسبقة.
أما الدول الرأسمالية التي نجحت فيها البورجوازية الوطنية، ففرضت ثقافة معينة، وأهملت
الباقي – كما هي الحال في فرنسا وانكلترا وبلجيكا والولايات المتحدة الأمريكية فإنها
رغم ارتفاع درجة تطورها وقوتها، وقدم تمركزها، لا تزال تعاني وبعنف من الرفض الذي تواجهها
به الثقافات المكبوتة فيها والتي كان الجميع يظن أنها ميتة لا محالة - فمشاكل الباسك
والبروتون وارلندا والفلامان والهند الحمر، كلها مشاكل معروفة على المستوى العالمي
(8).
وإذا كانت بلجيكا قد وجدت حلا مرنا وواقعيا للمشكل الثقافي فيها والذي
لم يمكنها تقدمها الاقتصادي والاجتماعي على مفهوم لم يعد صالحا والذي لا يمكنها تقدمها
الاقتصادي والاجتماعي على مفهوم من تجاوزه فإن فرنسا ما تزال تحتفظ. وبغيرة كبيرة على
مفهوم لم يعد صالحا للثقافة الوطنية والوحدة الوطنية، وهذا ما جعلها تواجه بالإهمال
مطالب سكان بروطانيا وأوكستانيا الثقافية على الخصوص، وضنت الحكومة أن سياسة اللامركزية
في الإدارة والاقتصاد كافية لحل المشاكل الثقافية في بلادها. إلا أن الواقع أظهر أن
الأمر أعمق من ذلك، وان حرية الممارسة الثقافية بمعناها الكامل هي من أعز المطالب التي
يرفض سكان الأقاليم المكبوتة ثقافيا التنازل عنها (9).
كل هذه الأمثلة السريعة والخاصة بالدول المتقدمة، تعبر بوضوح كامل عن عجز
التقدم الاقتصادي والاجتماعي عن حل المشكل الثقافي أو تجاوزه (10).
وإذا كان الأمر كذالك بالنسبة للدول الصناعية، فان الدول المتخلفة لا يمكنها
بحال من الأحوال أن تنموا نموا طبيعيا متزنا بتوجيه كل مجهوداتها نحو التنمية الاقتصادية
وحدها ناسية أو متناسية الجانب الثقافي.
أقول هذا وأنا أعرف أن مجهودا كبيرا يبذل الآن في إفريقيا السوداء لإنقاذ
التراث الإفريقي الأصيل بما في ذلك اللغات الأصلية رغم تمكن اللغات الأجنبية وانتشارها
في جميع مرافق الحياة فيها (11).
طبيعة المشكل الثقافي في الدول المتخلفة
إذا كانت الدول المتقدمة لم تتخلص بعد من المشاكل
الثقافية التي نتجت عن انتشار البورجوازية الوطنية، وإذا كانت انتصاراتها الكثيرة والمتنوعة
في ميادين العلم والتقنية والاقتصاد د، لم تمكنها من محو كل شعور بالأصالة
الثقافية لدى المجموعات البشرية التي أخضعتها سياسيا واقتصاديا واستلبتها ثقافيا، أقول
إذا كانت هذه الدول تعاني حتى اليوم من المشاكل الثقافية، فإن الدول النامية أكثر قابلية
بأن تعاني منها وبحدة، ذلك لأنها لم تعرف الثورة البورجوازية قبل الاستعمار ولأن هذا
الأخير حين عرفته، غير العقلية السائدة فيها وفتح المجال أمام البورجوازيات الوطنية،
غير أن الظروف التي تحركت فيها بورجوازيات أوروبا وأمريكا لم تتوفر لدى البورجوازيات
الوطنية في الدول النامية.
ومما لا يساعدها كثيرا على أخذ مكان الزعامة في
ميدان الثقافة الوطنية اعتمادها مضطرة في الدرجة الأولى على اللغة الأجنبية
ونمو الوعي التاريخي والثقافي لدى المثقفين الشبان كنتيجة حتمية للصراع الذي يقتسم العالم،
والتناقض الموجود بين هذين الموقفين، إذا أضيف إلى عدم وجود لغة قومية واحدة، وجبن الزعامة السياسية، وانعدام الفعالية
الجماهيرية أو ضآلتها... كل ذلك أدى إلى خلق أزمة خطيرة، يعقدها التخلف الاقتصادي
والتأثيرات الخارجية بجميع أنواعها.
وبظهور فكرتي الاستعمار الثقافي والامبريالية
الثقافية بعد أن تم الاتصال فعلا، بين أوروبا والدول النامية في إطار الاستعمار الفعلي،
أو لا، ثم في إطار تبادل المصالح المختلفة بعد الاستقلال. أقول بظهور هاتين الفكرتين
اتخذت أزمة الشعوب النامية بعدا أخرا معقدا وحاسما في آن واحد. هذا البعد يتلخص في
وجود صراع يتوتر أكثر فأكثر بين الرغبة القوية في تحقيق تحرير تام من مستعمر الأمس،
ثقافيا ولغويا واقتصاديا، والاستفادة، في نفس الوقت، مما حققه من تقدم في جميع
الميادين، قلت عنه بعدا معقدا لان التكافؤ بين الغاية والوسيلة غير موجود، فالغاية في
علو الطموح ونبله وشفوفه، والوسيلة لا تكاد ترتفع عن قيود الواقع وعجز التخلف،
وقلت عنه بعدا حاسما لأن الموقف الذي سيتخذ يجب أن يكون حاسما والاختبار
الوحيد يجب أن يكون في مستوى الطموح، طموح الشعوب النامية إلى التحرر والنهوض.
وكل من التحرر والنهوض لا يمكن أن يتأتى إلا في إطار مفهوم محدود واضح للثقافة
الوطنية تراعي فيه جميع المعطيات الموضوعية المحلية لكل بلد، وتحليل لمفهوم
الثقافة الأجنبية، ولطبيعة العلاقات التي ستربطنا بها.
لا أنكر أن الأمر ليس بالأمر الهين، ولكنه في
اعتقادي أحسن مشروع حقيقي في حل المشكل الثقافي في البلدان النامية، أما اختيار الحلول
السهلة التي لا تربطها بالواقع التاريخي والمعاش جذور فأقل ما ينتج عنها هو البلبلة
وعدم الاستقرار، وقبر كل إبداع أصيل.
إن الاختلاف والتنوع في ميداني الثقافة واللغة اللذين
يعاني منهما كثير من الدول المتخلفة واللذين يعتبرهما الكثيرون من المشاكل العويصة
والخطيرة التي تواجهها، ستتحول بأعجوبة إلى مصادر غنية متكاملة لثروة هذه
البلدان الثقافية، إذ ما اعترف بهذه المصادر، واحترمت مقوماتها، ونميت كلها على قدم المساواة،
أما إذا أهمل بعضها أو كلها، فستبقى المشاكل قائمة حتى تجد لها الحل الطبيعي
بوسيلة أو بأخرى .
المشكل الثقافي في المغرب
المغرب دولة متخلفة، حصوله على استقلاله،
وانتهاء عهد الاستعمار الفعلي أظهر تناقضات، لا أقول جديدة، بل كانت ضرورة النضال
ضد المستعمر قد أخفتها، هذه التناقضات تحولت بسرعة من تناقضات لا تسترعي
اهتماما كبيرا من الرأي العام إلى مشاكل حادة ذات خطورة كبيرة، فخلقت أحزابا مختلفة
أو جماعات غير منتظمة، هذه المشاكل، رغم ارتباطها المتين، يمكن تصنيفها،
تسهيلا لطرحها بوضوح، إلى نوعين
:
أولا: مشاكل اقتصادية ناتجة عن كوننا مجتمعا متخلفا
يطمح إلى التقدم والرقي في ظروف تاريخية تستوجب التنمية السريعة حتى يمكن
التغلب على العوامل المعاكسة لكل تنمية والتي يحتضنها مجتمعنا.
ثانيا: مشاكل إنسانية حضارية تمتد جذورها إلى أعماق
الماضي، وهذه في نظري أشد خطورة من النوع الأول، لأنها وثيقة الصلة بكل ما في
الإنسان من إنسانية: بكرامته كانسان، بأصالته كشخصية، وبماضيه كبعد من أبعاده
وبكبريائه كموجود معنوي يكره الذوبان والاستلاب.
هذا النوع من المشاكل كان دائما مطروحا منذ
كان الإنسان. ولكن بأشكال مختلفة: أناني، عائلي، قبلي، اقليمي، ديني، وطني وثقافي
في أخر المطاف. وقد يطرح بشكل أخر في المستقبل.
وبما أن المشكل الثقافي، في نظري، هو المطروح بحدة
كبيرة في أنحاء كثيرة من العالم الحاضر بما فيه بلادنا، وهو الذي يمكن أن يؤدي
بنا، في أقرب الآجال، إلى عواقب وخيمة أكثر مما لو كانت المشاكل الاقتصادية
هي وحدها المطروحة، فإنني سأحاول أن أبدي فيه وجهة نظري بكل ما يستوجبه علي
حبي لوطني من الصراحة والجرأة والموضوعية.
إن خطورة المشكل الثقافي في بلادنا ليست ناتجة
عن مجرد وجوده كحقيقة مجتمعية ثابتة اجتماعيا، بل عن عدم طرحه بجرأة، وموضوعية
وهذا شيء إن لم يكن طبيعيا فهو على الأقل منطقي لأن الذين مكنتهم الظروف
من أولوية طرحه، لم تسمع لهم وضعيتهم من معالجته بغير الطريقة التي عالجوه بها
إلى حد الآن. كما أن ثقافتهم لم ترفعهم إلى حد تجاوز المستوى الأناني في التفكير إلى
المستويات الفكرية الموضوعية. وهذه الأخيرة هي وحدها الخليقة باكتشاف المفاهيم
الحقيقية للثقافة المغربية (12).
المشكل الثقافي مشكل حقيقي
إننا لا نطرح مشكلا مجردا أو خياليا لا علاقة له
بالواقع المعاش لمجتمعنا، بل إننا لا نطرح مشكلا
لا يطرحه غيرنا في بلادنا و غير بلادنا لأن المشكل الثقافي موجود ولا يمكن لأي
كان أن يرفعه أو يخفيه، وإنما الشيء الجديد في موقفنا هو أننا بشكل لم يقتنع به
غيرنا إلى حد الآن. وذلك لأسباب كثيرة ومعقدة، أهمها ما له من أبعاد تاريخية وسياسية وثقافية
أي أنه في جميع الحالات يدخل في التركيب البنيوي لمجتمعنا ويمكنه أن يؤثر فيه
تأثيرا كبيرا إن لم نقل جذريا سواء أبقي على ما هو عليه أو حل حلا موضوعيا وعادلا،
وهذا التغيير هو الذي يخيف الكثيرين من المسؤولين ويلتجئون إلى الحلول السهلة
بالعمل على تغليب جانب على جانب بدعوى الفعالية وربح الوقت وأحيانا بدعوى الوظيفية
البسيطة التي لا تكاد تخفي انحيازهم وذاتيتهم المندفعة.
قلنا المسؤولون، ونعني بذلك، أجهزة الدولة والأحزاب
السياسية والمنظمات النقابية والثقافية، وكذلك المثقفين بصفة عامة، إن
المشكل الثقافي في بلادنا مطروح بالنسبة إلى هؤلاء جميعا، ولكل موقفه وحججه، غير
أنه يلاحظ أن أغلبيتهم يلتقون من حيث الغاية، ويختلفون إلى حد ما في الوسائل والطرق
المؤدية إلى الهدف المقصود، فالمشكل في نظرهم يتلخص في وجود لغتين
تتنافسان السيطرة على البلاد: "لغة رسمية تتوفر على إمكانات الدولة الضخمة...
هذه اللغة هي اللغة العربية، ولغة أجنبية طارئة جاءت مع الاستعمار وفرضت على المغاربة
فرضا، وبقيت بعد الاستقلال وسيلة ضرورية بالنسبة للبعض الأخر" وهذا هو ما يظهر
على الأقل على الصعيد السياسي.
ومع ذلك يمكن أن نلاحظ بعض الفروق بين مواقف
كل من الأطراف المعنية فإذا كان الكل متفقا على هدف واحد هو التعريب فإن وسائلهم
هي وحدها التي تختلف، فالدولة مثلا ترى أن تحقيق الهدف ينبغي أن يكون تدريجيا بينما
تريد الأحزاب السياسية والمثقفون المنتمون أن يكون بسرعة مع توفير كل
ما يتطلب ذلك من وسائل وإمكانات. أما المثقفون الغير المنتمين فإنهم يظهرون او
يعانون، على الأقل – بعض التردد - مع أنهم لا يخفون ميلهم إلى التعريب إيمانا أو
تقية.
هذه المواقف كلها لا يمكن إيرادها دون وصفها بشيء
من الغموض وكأن وراء كل رأي من الآراء المذكورة نوايا تقتضي الضرورة إخفائها،
أو كأن أصحابها يوقنون بوجود حقيقة أخرى يخفونها ويخافون أن تفاجئهم ظهورها
وهو على هذه الحال.
وبالفعل، فإن مقارنة بسيطة بين شعارات المدافعين
عن التعريب من الشخصيات الحزبية والرسمية... وبين سلوكهم اليومي
في بيوتهم ومع أصدقائهم، تبين بوضوح أنهم لا يؤمنون بشعاراتهم بل يستعملونها
ليستهلكها الغافلون والمؤلفة قلوبهم من الشعب.
وبما أن هذه اللعبة دامت أكثر من عشرين سنة،
فإن البعض منا أدرك كل الإدراك أن الحيلة ليست بليدة في حد ذاتها، لأن الهدف
المقصود من تلك الشعارات ليس إحلال العربية محل الفرنسية بقدر ما هو رغبة في محو
لغة ثالثة وهذا يتحقق يوما بعد يوم، وأن اللغة الأجنبية أو اللغات الأجنبية
تقتصر أكثر فأكثر على النخبة المحظوظة.
إننا متفقون على أن الفرنسية لغة أجنبية تهدد كياننا
كأمة ذات أصالة وحضارة متميزتين، إذا احتفظت بالمكانة التي تحتلها الآن في بلادنا
ولكننا لا نؤمن مع ذلك على أن أحسن الوسائل للقضاء عليها هو التعريب السريع المرتجل،
لأن هذا لا يمكن إلا أن تكون له نتائج وخيمة على أجيالنا الصاعدة. أما الذين
يرون هذا الحل فلا يستعملونه إلا للاستهلاك السياسي المسموم.
ويبدو لي أن هذه الحقيقة المخفية، قصدا، قد
ساهمت إلى حد كبير، في جعل المشكل الثقافي ببلادنا مشكلا سياسيا مزمنا. ومعنى كل
هذا أن المشكل لم يطرح على حقيقته لذلك يجب مشاركة منا في الحيلولة
دون استمرار الأزمة، أن نطرحه بشكل آخر.
أما الشيء الذي لا يجمعنا فيه اتفاق الرأي فهو
أننا لا نعتبر بحال اللغة العربية وحدها اللغة الوطنية الوحيدة في وطننا، لأن في ذلك إجحافا
كبيرا، وتضليلا سافرا، وبعدا عن الحقيقة الاجتماعية التي نعيشها، فبجانب العربية،
توجد اللغة الأمازيغية التي ما تزال تستعملها نسبة كبيرة من مواطنينا وفي مختلف
أنحاء المغرب، وهذه هي الحقيقة المرة التي يخفيها أو يتجاهلها المسئولون
في هذه البلاد. نعم إن لهذه الحقيقة خطورتها وماضيها. أما عن ماضيها فلا نعتبر
أن المغاربة مسئولون عنه، بل الاستعمار هو الذي حملها من خبثه ما جعلنا جميعا نتقزز
كلما أثيرت أمامنا بشكل أو بآخر، وأما خطورتها فلا أظن أن تلافيها كامن في إهمالنا
لها وتجاهلنا لوجودها. بل أننا بعملنا هذا لا نزيدها إلا تأزما.
الجذور التاريخية للمشكل
قد لا آتي بجديد في هذا الباب ولكن ضرورة وجهة
نظرنا، تحتم علينا التذكير بالأصول التاريخية للمشكل، كلنا يعلم أن إفريقيا الشمالية
كانت دوما، نظرا لموقعها الجغرافي - هدفا للتدخلات الأجنبية التي غالبا ما
تقتحم حدودها وتستقر داخلها بشكل من الأشكال ولمدة معينة، كان هذا يقع كلما ظهرت قوة
جديدة على حوض البحر المتوسط، فكان التدخل الفينيقي ثم الروماني، فالعربي وأخيرا
الفرنسي – الاسباني، كل هذه التدخلات تشترك جميعها في كونها أجنبية لغة وحضارة
وفي كونها تخطت إلينا الحدود بقوة السلاح، وفي كونها حاولت أن تفرض لغتها وحضارتها
على الأمازيغيين، وفي كونها كانت تستغل البلاد والسكان استغلالا ماديا، هذا
إذا حاولنا أن ننظر نظرة موضوعية. أما وقد نجحت المحاولة العربية ووحيا على
الأقل، فإن الكلام عنها بهذه الطريقة، لابد وأن يثير الكثير منا وخاصة أولئك الذين
ينتهزون كل الفرص لإقبار كل محاولة لتوضيح مشاكلنا، أما إذا كنا نحن نجرؤ على
إبداء مثل هذه الآراء فلأننا نميز أحسن ما يكون التمييز بين حقيقتنا الاجتماعية
الحاضرة كمغاربة مسلمين وطبيعة الغزو العربي كحركة تاريخية جاءتنا من الخارج
حاملة معها بالضرورة أنماط عيش مختلفة.
ونميز كذلك أحسن ما يكون التمييز بين ديننا الحنيف
كرسالة إلهية سامية تطفح بمعان إنسانية شاملة لا تعرف الحدود كيفما كان نوعها
وبين العرب كبشر يتصفون بكل ما يتصف به الجنس البشري من مساوئ ومحاسن فإذا
كان الإسلام كدين منزها كل التنزيه فإن تنزيه كل الذين عملوا جنودا في نشره هنا
وهناك شيء لا يقبله منطق، إن الكثير من الأخطاء يمكن أن ترتكب عن حسن نية،
إلا أن كونها كذلك لا يمنع في شيء اعتبارها أخطاء. ورغبة أننا لسنا الآن بصدد تعداد
الأخطاء المرتبكة في حق سكان شمال إفريقيا بعد الفتح الإسلامي مباشرة، ومنذ ذلك
الوقت، من طرف الولاة الأمويين والعباسيين وغيره م، فإنها بصفة عامة أدت إلى انتفاضات
قوية ضد الحكام العرب أنذاك والذين يعتبرون استمرار لهم فيما بعد، هذه الانتفاضات
كانت ولا شك مصحوبة بشعور لا أقول قومي ولكن بالشخصية المتمايزة بين أولئك الثائرين
الأمازيغيين المسلمين وأولئك العرب المسلمين، ورغم أن الأحداث التاريخية
التي جاءت من بعد أثبتت ضعف ذلك الشعور إذا قورن بقوة مفاهيم الدين الإسلامي
التي كانت وقتذاك تفهم في كونيتها فهما ظهر الآن خطؤه.
كأن الإسلام و اللغة العربية مقترنين، أي أن الإسلام
بدون عربية لا يتصور، هذا التفسير ما يزال سائدا عندنا على الأقل - رغم ثبوت
خطئه في أراضي إسلامية أخرى، معنى ذلك أن الإسلام دين يمحو بالضرورة
لغات كل البلدان التي يصبح دين سكانها، وإذا قلنا لغة - أي لغة – لا بد أن تعني ثقافة
وحضارة معينتين، لأن اللغة وثيقة الصلة بمن تنتمي إليهم، أي أننا إذا قلنا العربية،
فإننا نقصد بالضرورة العرب وثقافة العرب، وهاتان تختلفان أيضا بالضرورة عن ثقافة وحضارة
المغاربة.
وإذا كان القرآن قد نزل بالعربية، فإن الله تعالى
حين فعل لم يخلق لغة عربية جديدة لا يفهمها العرب، بل كان ذلك باللغة العربية نفسها التي
كانت من قبل، محملة بكل مقومات المجموعة البشرية التي كانت تتكلمها.
ورغم التغيير الكبير الذي أدخله الإسلام على حياة
العرب فإن الاستمرار الحضاري، في بعض جوانبه على الأقل - شيء لا يمكن نفيه. واللغة
عامل قومي في ذلك الاستمرار فالأدب الجاهلي الذي كان شفويا قبل الإسلام،
جمع في عهد الإسلام، وقواعد اللغة العربية لم تكون مضبوطة قبل الإسلام درست وضبطت بعد
الإسلام وتقاليد وعادات العرب الجاهليين، اهتم بها المسلمون أيما اهتمام في أعز عصور
الدولة الإسلامية، ثم ألا يقضي تلاميذنا اليوم وقتا كبيرا في حفظ وفهم المعلقات
وغيرها من الأدب الجاهلي.. .؟
فلو كان الإسلام يعني بالكونية محو كل مقومات الشعوب
التي تؤمن به، لطبق ذلك أولا وقبل كل شيء على العرب أنفسهم، ولنزل القرآن
بلغة جديدة، يعلمها الله لنبيه، ويضطر كل المسلمين إلى ترك لغاتهم، التي أراد الله
لها أن تكون متنوعة ومختلفة، وتعلم اللغة الجديدة ! اللهم إلا إذا اختار الله فعلا أمة العرب
وجعلها فوق جميع الأمم الأخرى التي خلقها. !..
ومعلوم أن المقياس الوحيد عند الله هو التقوى، وباختصار
فإن الإسلام مبدأ القومية لا يكونان أي تناقض، غير أن التناقض يوجد بين قوميتين
أو قوميات.
إذا كنا لا نناقش الجانب الديني، لأنه في نظرنا لا
يطرح مشكلا اجتماعيا، لأننا، ولله الحمد، مسلمون فإن المشكل الثقافي ما يزال مطروحا، لأن
المغاربة لم يتعربوا جميعا.
هوامش :
(1) لقد كتب هذا
المقال منذ ثماني سنوات، وهذا سبب وجود بعض الإشارات إلى ما جد في الموضوع خلال
السنوات الاخيرة، وبما أن هذا الجديد لم يحدث إنقلابا
في مع طيات المسألة الثقافية وبما أن الافكار الواردة
في المقال لا تهم إلا الجوانب العامة للموضوع ،
فإننا سمحنا لانفسنا بنشره كما هو، مع اضافة بعض
الهوامش التي نرى أنها ضرورية لاتمام الفائدة.
(2) قلت لم يطرح بجدية، لأن عنصرا هاما من عناصره الأساسية، لم يدخله في الاعتبار كل الذين يتوفرون على الوسائل المعنوية والمادية لطرحه. هذا العنصر هو عنصر اللغة والثقافة الأمازيغيتين.
(3) وفي هذا الصدد يقول سيلفوبروكان "إن أهمية الأمة الاثنية كانت مهملة الى حد كبير على المستويين النظري والعلمي في الأدب الماركسي" انظر أيضا ما كتبه - موريس كولدينك -عن هذا المشكل في ايرلندا.
وأكبر دليل على صحة ما قلت هو اهتمام لينين بموضوع القوميات
الثقافية في روسيا قبل ثورة 1917، بل أنه اعترف بوجودها
واحترامها والعزم على تنميتها قبل نجاح الحركة البلشفية في التاريخ المذكور.
(4) انظر (برونيسلا ومال ينوفسكي) نظرية علمية على الثقافة ص . 5
(5) انظر ( مارتينيه) عناصر اللسانيات العامة ص . 5
(6) كثير من اللغات العريقة تجاوزتها لغات حديثة نسبيا تجاوزا كبيرا في ميادين شتى: اللغات الشرقية واللغات الغربية مثلا، ومعلوم أن هذا التفاوت لا يمكن إرجاعه إلى عجز ذاتي بالن سبة للأوائل أو إلى ميزة كمال ذاتية بالنسبة للأواخر بل لأسباب أخرى كثيرة.
(7) انظر (برونيسلا ومالينوفسكي) نفس المصدر أعلاه نفس الصفحة .
(8) إن ما كتب حول المشاكل الثقافية في العالم الغربي كثيرا جدا، وما يكتب عنها ليس من السهل تتبعه لأنها مشاكل الساعة بكل مظاهرها العنيفة والهادئة .
(9) يبدو أن الحكومة الاشتراكية الفرنسية واعية الآن بطبيعة المشكل الثقافي واللغوي داخل فرنسا وعازمة على حله حلا مناسبا وهذا ما قاله وزير الداخلية ( كاستون ديفير) في استجواب له أجرى بتاريخ 10يونيه 1981 ، ومما قال فيه (إن تدريس اللغات المحلية سيخلق في عين المكان نشاطا فكريا كبيرا، وحياة اقليمية أكثر نشاطا وحياة وطنية متينة).
انظر ما كتبه (فرانسوا ميتشران) في الموضوع في كتابه (هنا
والآن) الصادر في الخريف الماضي .
(10) خصوصا في عالم اليوم الذي أصبح فيه هذا التقدم مرتبطا ارتباطا وثيقا بمراكز معينة من العالم، وأن الاتصال بها لا يتم إلا داخل أنظمة ثقافية وحضارية محددة، تفرضها هذه المراكز على المواقع القوية، إن التقنية التي تحتاجها الدول النامية، والتي تصدرها الدول الصناعية، ليست بكماء ولو ترجم افكار ومفاهيم لا يمكن تجريدها منها بمجرد تغير إسمها او اعادة تركيبها.
(11) (إنني افضل التعدد الذي يقبل الهوية الخاصة لكل شعب) امادو مختارمبو 1980.
ويرجع هذا على الخصوص في نظرنا، إذا أقمنا مقارنة بين
السهولة النسبية التي طرح وعولج بها المشكل الثقافي واللغوي في افريقيا إلى اختلاف طبيعته في
كلتا الجهتين، فاللغات التي تكتم أنفاس اللغات الافريقية
في القارة السوداء هي الفرنسية والانجليزية والبرتغالية، وهي لغات المستعمر الحديث،
في حين أن الأمر عندنا يتجاوز هذا المستوى من حيث التعقيد
لأن لدينا لغة وطنية قوية ماديا ومعنويا ولغة وطنية أخرى لاتقل أهمية عن الأولى من حيث عدد
متكلميها على الأقل ولكنها مهملة عن قصد وذلك لأسباب تاريخية وسياسية .
(12) لابد أن نشير هنا إلى أن المواقف تجاه اللغة والثقافة
الأمازيغ يتين بدأت في السنوات القليلة الماضية تتغير لصالحها
وأريد أن أذكر هنا على الخصوص ما قاله صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني.
نشر هذا المقال بمجلة "أمازيغ" العدد 1 سنة 1981




تعليقات